ليبيا الحرة ..حقاً إلى أين هذه المرة؟

نادينا كثيراً بالإصلاح السياسي ، و الاقتصادي في البلاد؛ و تحدثنا عن   خطورة داء الفساد ، رافضين العمل في الظلام كرفضنا للتزلف ، و المداهنة و الدوران حول المشكل دون وضع الأصبع على الجراح ، و ما كانت مناداتنا إلا لتجنيب البلاد مأساة كالتي تجري اليوم ، غير أن القول بالمعروف ، و التنبيه لمؤشرات الانفجار الاجتماعي يفهم في أحيان ٍ كثيرة على أنه شروع في الخيانة ، و لا يجد ( ُأمراءُ) الثورة، و أصحاب الامتيازات معه بُداً من وضعك تحت  المجهر ، و الاستفهامات الذكية ، و ممارسة هواياتهم في الفراسة ، و معرفة حقائق الرجال خاصة (الخونة)! أو (القريبون منهم للخيانة)!

 

فهل يجوز لنا ؛ و بعد ما وصلنا إليه أن نسأل ما إذا كان الذي جرى، و يجري في ليبيا اليوم هو وليد الإحتقان المتراكم عبر سنوات طويلة ؟ جر الفشل المتكرر لآليات النظام الجماهيري في تحقيق طموحات المواطن الليبي في الحرية ، و العدالة الاجتماعية ، و ما نجم عنه من حال الرفض الاجتماعي الدائم لنا في حركة اللجان الثورية ، و كل حركة الثورة كقيادة  اجتماعية مهمتها الأساسية إدارة التغيير الاجتماعي نحو الغد السعيد ؟ أم أن ما يجري ليس إلا عمل عشوائي إجرامي – وليد الجهل و التخلف الاجتماعي تحركه أيادٍ خفيّة ، ذات أجندات تصفوية  انفصالية من منـطلقات جهـوية ، و قبلـية ، و تكفيرية حاقدة – تم تدويله فقط لضمان ولادة محمية فيدرالية جديدة في المغرب العربي،  سليبة النفط ، منقوصة السيادة ، مختلة الأمن ، و الوئام الاجتماعي ؟

 

لا شك أن هناك حالة من الاحتقان الشديد في الشارع العربي ، و ليبيا ليست استثناءً ، و أن المنطقة بأكملها تفجرت فيها رغبة الخروج من زمن الحكم الأحادي ، و التقييد إلى رحابة الحريات ، وسيادة القانون ، و ذلك مفهوم و مقدر ، غير أن الخروج المسلح على الدولة الليبية، وسرعة التدويل ، و دخول الأطلسي ، و مشيخات عربية (وراثية) منقوصة السيادة في مجريات الأحداث في ليبيا لا يمكن أن يكون بريئاً ، و حتماً لن تغفر ليبيا أرضاً، و شعباً لمن لجأ من أبنائها يوماً إلى السلاح في سعيه للتغيير ،  و الإصلاح ليجد نفسه عابثاً بالتنـوع القبلي ، و الاجتماعي في المدن الليبية ، مروعاً الآمنين فيها ، جاعلاً من ليبيا برمتها ثمناً لمطلب التغيير ، و سيلفظ ترابها الأبي الطاهر ولو بعد حين رمم الذين رفعوا الأعلام الإيطالية ، و الفرنسية ، و الأمريكية في سماء بنغازي فرحاً ، واستبشاراً  بعودة (كازي روما) لمرقد المختار سيداً مطاع.       

 

من منا لم ير الشعب اليمني ؟ – الذي تآخى مع السلاح دهراً طويلاً – يغمد السلاح ، و يتجه أعزلاً إلى ساحة التغيير في موعد دائم مع الموت بسلاح السلطة الحاكمة ، رأينا الجموع تسقط مضرجة بالدماء دهساً ، أو بالرصاص في عواصم الجوار العربي ؛ لكنها أبداً لم تهن ، و لم تتجه خطوة واحدة نحو السلاح ، ولم تهاجم مراكز الشرطة ، أو تغير على المعسكرات ، و مستودعات الذخيرة الوطنية ، ولم يسمح شباب أيِ ٍ من الدول العربية المضطربة بمشاركة جنسيات عربية ، أو غير عربية في إحتجاجاتهم الوطنية السلمية في حين سمح شباب (ليبيا الحرة) للغرباء بحمل السلاح الليبي ، و مقاتلة جيش بلادهم الوطني ، و التمثيل بجثث قتلاه ، لم نر   في أي ٍ من تلك البلدان شعب ينتفض محتجاً راغباً في التغيير لما هو أفضل ؛ تتجه مجاميعه نحو السجون المدنية لإخلاء سبيل القتلة ، و المجرمين ، و الدفع بهم مسلحين لشوارع مدن غير خاضعة لأي نوع من أنواع السيطرة الأمنية.

 

لم نر ، أو نسمع بانتفاضة كادحين قادها الوزراء ، ورموز الفساد ، و الثراء غير المشروع ، و عمالقة الأمن السياسي في النظام المستهدف بالتغيير ، كأولئك الذين قفزوا من سفينة النظام الليبي بعد  42 عام من الشراكة الكاملة ، و الانتفاع اللا محدود ؛ فروما لم تشهد استقالة السفير الليبي يوم المأساة الدامية في أبو سليم ، أو يوم حمل طلاب المدارس الثانوية من مقاعد الدراسة إلى وادي الدوم ، بلا وداع كما شهدتها نيويورك هذه الأيام ، لم نسمع وقتها بوزير ، أو سفير استقال ،  أو جنرال من (الأحرار) أو (المغشوشين) إنشـــــق ؛ ربما لأن كتيبة الفضيل لم تسقط في تلك المرة ليوقظ سقوطها المزعج ضمائرنا النائمة في بحر العسل مع الفاتح (العظيم) لعشرات السنين! أو ربما لأن الكأس ، و رقص غانيات المدن القديمة على مساطب الحوانيت الرومانية العتيقة لم يترك لصحوة سفيرنا (سفير الليل) حينها مجال !

   

لم يجد أولئك الذين انشقوا بالمنطقة الشرقية كثرة عناء في   السيطرة عليها ، و منع ساكنيها من حقهم الطبيعي حتى في مؤسسة السلع التموينية ، و إدخالهم بلا مبرر في مجال الإغاثة ، و المعونات الدولية ، زاجين بهم قسراً في الخلاف مع ثورة الفاتح ، و الرغبة في إسقاط نظامها ، وسط سكوت بنادقنا التي طالما دوت طلقاتها في سماء بنغازي ليالي السابع من أبريل باحثة عن خصوم وهميين في معارك افتراضية لم تكن واجبة ، و عندما وقعت المعركة الحقيقية لم (نجعر) نحن المرجفون في المدينة،  و لم نجد غضاضة في حمل الراية التي طالما تشدقنا بالثورة عليها في السنين الخوالي ، هاتفين ضد رموزها ملء الحناجر في حضرة الرجل الذي كان ، علنا نحظى بدخول قائمة (قينس) لأصغر محافظ في تاريخ البنوك المركزية ، أو مدير لأحد أهم البنوك التجارية المملوكة للدولة بمستوى متواضع من السن ، و الخبرة ، أو دخول قوائم مكتب اللجان  لإيفاد التقديرات الضعيفة ، و من بوابة الحرس الثوري الأخضر تأكيداً لواقعية نظرية حرق المراحل ، و العبث بالمعايير العلمية في كل ما من شأنه التأسيس لدولة عصرية ، فلا أقل  – و الحال هذه – أن نعترف بأن كل الذين سقطوا من أبناء ليبيا في برقة و مصراتة و الزاوية و الجبل الغربي من ألـ (مع) أو ألـ (ضد) ، هم جميع أبنائنا الذين كان من الممكن أن يكونوا ذخراً للبلاد، وعماد نهضتها لو أننا واجهنا أخطائنا بشفافية ، و حكمة، و شجاعة الثوار الصادقين ؛ عوضاً عن العبث اللا مسئول ، و الانشغال الدائم بقضايا الآخرين الذي جعل عجائزنا ترتعش من دوي مقاتلات الأطلسي في جبال مزدة ، و شبابنا صيداً سهلاً لأفكار القاعدة  ، و دعاة الجهوية ، و القبلية ، و الذبح على لون البشرة ، و الهوية في شوارع ، و ساحات درنة ، و البيضاء ؛ و أمام محكمة بنغازي مدينة بيان الإطاحة بالراية التي عادت ، و استقطبت من شبابنا من يقاتلنا نصرة لها.

         

رغم كل الانتقادات التي تناولتها أقلام جريئة في ليبيا ، و نادت فيها بالإصلاح الشامل ؛ منتقدة الفساد الذي عم البلاد بلا مبرر ، و بريادة رجالات الثورة و الدولة بلا إستثناء و منظومة الغد التي شربت حتى الثمالة ثم رمت في البئر حجراً ليصبح مائها غوراً بلا خجل ولا وجل فكانت بما اقترفت أشد وطأة على البلاد من قططها السمان إلا أن ذلك لا يبرر بأية حال اللجوء للسلاح، و الاقتتال الأهلي ، و الاستقواء على البنية التحتية للجيش الليبي بالأجنبي ، و القيام بما من شأنه الدفع نحو ثقافة التقسيم على أساس الجغرافيا ، و تباين اللكنات اللعينة ؛ ناهيك عن العبث بالنفط عصب الحياة في ليبيا ، و المساومة عليه خلسة في ظلام ردهات (الإليزيه) ، و قصور الدوحة ما يؤكد فرضية العبثية و المسعى الخفي لتأسيس الكيان الفيدرالي المستضعف.

 

إن الذي يجري ما هو إلا ثمرة شديدة المرارة من ثمار المكابرة و الاحتقان السياسي المزمن في البلاد ، و الذي استفحل معه دور القبيلة ؛ في مقابل تراجع دور المؤسسة لتتراجع تبعاً لذلك و في مناخ اجتماعي متخلف اللحمة الوطنية ، و من ثم فالحل يبدأ باعترافنا أولاً بوجود أزمة سياسية حادة منشأها سيادة الطرح الجماهيري ، و الجماهيري فقط على ما سواه في البلاد، و منع التنوع السياسي فيها ، كما يكمن أيضاً في اعترافنا في حركة اللجان الثورية و عصبة الأحرار بالفشل الذريع ، و العجز عن كسب ثقة ، و احترام الجماهير الليبية ، و تحولنا لأدوات تخريب ، و فساد لمرافق ، و ممتلكات و أموال الدولة على مرأى ، و مسمع القيادة ، و كل الجماهير المحرومة ، و لم نكن أبداً أدوات للثورة الشعبية ؛ بل منا من تقاعس عن واجب حمايتها و مضى منشقاً بما نهب ، الحل يا رفاق لا يمكن أن يأتي من قاعات الهتاف ، و الخطابة ، و التصفيق و دمائنا تجري انهاراً في جبهات القتال ، و الأجنبي المتآمر يصول ، و يجول فيها يغذي فتنتنا الكبرى بالمال و السلاح تارة ، و التزوير الإعلامي تارة أخرى ، و ليبيا الحبيبة تتجه شيئاً فشيئاً نحو حرب أهلية قذرة لا منتصر فيها ، و أخطار كبرى كالتقسيم ، و الوصاية الدولية ، و فقدان السيطرة على الموارد لصالح دول كبرى ، و (مشيخات) قزمية على شفا الإفلاس في الخليج المستباح وسليبة أرض منقوصة السيادة تلوح في الأفق ، الحل يا رفاق لا يأتي إلا بالحوار الوطني الحر حيث يصبح كل شيء قابل للنقاش.

 

أما الرجل الذي و إن ألغت رؤاه ، و أفكاره بعض أشكال الحراك السياسي، و الاقتصادي في البلاد ، إلا أنه يظل – لدى الكثيرين من أبناء شعبه- الرمز الذي يحسب له نجاحه في استكمال وحدة ليبيا حين ألغى الحدود الجهوية بين برقة ، و طرابلس ، و فزان و أجلى القواعد الأجنبية ، و كل أشكال الاستيطان الإيطالي ، و أمم النفط ، و روابي الزيتون ، و حشد لأضخم مشروع مائي صنعته يد الإنسان في المنطقة ، و لأجيال طويلة ناهيك عن مساهمته الجبارة في  تأسيس الإتحاد الإفريقي ، و تأسيس ليبيا الحديثة ، وإنهاء طمس تاريخها الجهادي ، هذه الإنجازات و إن نظر إليها خصوم القذافي نظرة تهوين قياساً بطول فترة حكمه للبلاد ، و ما شهدته من العوائد البترولية الضخمة ؛ إلا أنها ذات قيمة مادية ، و معنوية كبيرة المغزى ، و القداسة في نفوس نا أنصاره ، و مؤيديه الكثر في الداخل ، و الخارج ، و لن تستقم أية تسوية على الأرض بالقفز عليها.

 أبريني خليفة

 عن صحيفة الوطن الليبية

  1. أضف تعليقاً

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: